جرت العادة أن تكون روايات الخيال العلمى واحدة من أقرب أنواع الفن الروائى الى قلوب الناس عامة , على مختلف أعمارهم و ثقافاتهم , ربما لان عنصر التشويق يبلغ ذروة توهجه فى هذا الدرب من القصص فاتحا أمام الخيال أفاقا رحبة للجموح و الإنطلاق , مشبعا غريزة الإنسان فى تجاوز عالمه الضيق المحدود و التحليق فى سماوات اللامتناهى .و رواية الخيال العلمى ليست خيالا محضا , فمادتها الرئيسية هى الحقائق التى تمدنا بها العلوم الطبيعية , و يقوم الأديب بعرضها فى قالب روائى مبسط ثم ينطلق منها مستنتجا افتراضات شتى ليس لها على الأرجح قدرا من الصحة و لا تتبع منهجا علميا سليما و لكنها فى النهاية مبنية على الحقيقة العلمية , مرهونة بالنقاط الأساسية التى ترسمها.و اكثر ما يشغل كاتب رواية الخيال العلمى الناجح أن يجعل إفتراضاته ملائمة للحقيقة العلمية المبنية عليها , قادرة على التماسك أمام منطق البديهة و النظر العقلى الأولى للقارىء حتى لو تهافتت أمام المنهج العلمى الدقيق , و الأهم من ذلك أن تكون مادته العلمية المنتقية مثيرة إلى حد كافى , سهلة الفهم بعيدة عن التعقيد بقدر الإمكان و عليه فى سبيل ذلك أن ينقيها من التفاصيل و التفريعات التى لا تخدم قصته و لا تتماشى مع خيط الإثارة الذى يقتفيه.و الأديب الذى يلجأ إلى الخيال بشكل عام و يفارق الواقع و المنطق لابد أن يجاهد فى جعل مفارقته مستساغة و يحرص على ألا يقع فى فخ المبالغة أو التكلف بحيث يعوض الخلل المنطقى بحبكة الصياغة الفنية و تماسك السرد القصصى و لكن كاتب الخيال العلمى عادتا لا يسهب فى الخيال إلى حد مفارقة الواقع وخلق عالما مختلفا تمام الاختلاف عن العالم المادى بل يمكننا القول أنه يخلق عالم "موازيا " للحقيقة المادية تحكمه نفس قوانينها و يسير متفقا مع منطقها و لكنه فقط يتوسع فى تطبيقات هذه القوانين .يمكننا القول أن كاتب الخيال العلمى يرمى بنظريات العلم كأساسا لبناءه القصصى و قد يتطاول بناءه و يعلو مخترقا سموات الخيال و لكنه يظل دائما فوق أرض الواقع يستمد منها صلابته و تنتصب قامته بمقتضى قوة أساسه , انه يرى بعين العلم و يضيف إليها حدسه العقلى كى يمكنه من توسيع أطر النظريات العلمية و تجاوزها إلى إفتراضات أكثر مرونة , و يمكننا أن نصف الخيال العلمى بانه الخيال " الممكن " تميزا له عن الخيال الصرف , فقاعدة الحقائق العلمية التى يقف عليها تنفى عنه صفة الاستحالة و تجعله دائما فى عالم الإمكان .و هناك الكثير من روايات الخيال العلمى التى نجحت فى التنبؤ بوقائع حدثت بحذافيرها بعد مرور عشرات بل مئات من السنوات على تأليفها و لعل أشهر الامثلة على ذلك رواية " عشرون ألف فرسخ تحت الماء " التى كتبها عام 1870 الأديب الفرنسى الشهير "جول فيرن "- صاحب رواية " رحلة إلى مركز الأرض " التى يدرسها طلبة الاعدادية عندنا – و تخيل فيها غواصة عملاقة أطلق عليها "النيو تيلوس " تدور بالكهرباء التى تولدها محركاتها الجبارة من الماء و قد دارت هذه الغواصة حول العالم و سبحت تحت القطب الجنوبى و تشاء الأقدار و قبل مضى أعوام قليلة على الذكرى المئوية لميلاد هذه الرواية أن تنطلق "النيوتيلوس " الحقيقية عام 1958 و تقوم بأول رحلة تحت القطب الجنوبى و يتكرر الأمر مع "جول فيرن " فى روايته "من الأرض إلى القمر " التى كتبها عام 1865 يتنبأ فيها بصعود الإنسان إلى القمر و تتحقق نبؤته بعد مضى أكثر من مائه عام !هذه القدرة على التنبؤ الدقيق للمستقبل من منظار العلم هى - فى رأى – أدق مقياسا لنجاح روائى الخيال العلمى و أرفع وسام على صدره و تقديرا لعطاءه حين اخترق بحدسه حاجز الزمان و أمسك المستقبل بيد الحاضر .
Subscribe to:
Post Comments (Atom)


1 comment:
وكما تنبأ جول فيرن بالهبوط على سطح القمر
اتنبأ بالمزيد من الرقى والشهره لتلك المدونه
شكرا لك لهذا الرقى فى الكلمه والفكرة
Post a Comment